أبو علي سينا

192

الشفاء ( المنطق )

وأما [ 105 ب ] أن الجدل ليس محدود النظر في الموضوعات « 1 » فإنه لا يقتصر على موضوع واحد يبحث عن أحواله ، بل الجميع عنده سواء . والبرهان يقتصر عليه . وأما بيان أنه ليس بمحدود النظر في المسائل ، فذلك من وجهين : أحدهما أنه لا يقتصر على المسائل الذاتية بالموضوع الذي يبحث عن أحواله في الوقت ، بل في الغريبة « 2 » أيضا : مثل أنه ليس ينظر هل الخط المستقيم إذا قام عليه خط كان كذا وكذا ، بل هل هو أحسن من المستدير أوليس ، وهل علمه مضاد للمستدير أوليس « 3 » . والثاني لأنه قد يتفق أن ننصر « 4 » الضدين والنقيضين معا بقياسين في وقتين كل واحد منهما جدلي على ما ستعرفه حيث نتكلم في الجدل : فتارة نقيس من المشهورات أن النفس لا تموت ، وتارة نقيس منها أن النفس تموت . وأما بيان أنه ليس أيضا محدود النظر في المبادئ فذلك من وجهين : أحدهما أنه لا يأتي بالمبادئ الذاتية بالشيء ، بل كيف اتفق . والثاني أنه يأخذ المبادئ الأولية والصادقة والمشهورة التي ليست بصادقة معا ، وما يتسلمه من المخاطب . وقد يجعل كل واحد من المتقابلين مبدأ لقياسه « 5 » - ذلك في وقت ، وهذا في وقت على ما علمت . وأما البرهان فإنه محدود الموضوع ، محدود المسألة التي يبينها وينصرها « 6 » محدود المبادئ التي منها تبين . ويكاد أن يكون الحق هو أنه ليس في العلوم مسألة عن طرفي النقيض ، وذلك أن السؤال النافع عنهما بالحقيقة هو أن يتكافأ تسليم « 7 » الطرفين معا عند السائل ، فأيهما كان ، جاز ، واستمر في عقد قياسه . والقائس المبرهن إذا سلم له الواحد « 8 » المعين ، النافع له في عقد قياسه ، انتفع به . وإن سلم مقابله ، سكت ولم يمكنه الاستمرار ، فلا يكون لسؤاله حينئذ فائدة ، إذ كان إنما ينتفع بالواحد فيجب أن يأخذه أخذا من غير مسألة . ولكن قد يقال " مسألة علمية " على وجهين : أحدهما يقع في التعليم والتعلم - وهو أحد طرفي النقيض المعلوم أنه هو الحق ، وأنه لا يتعداه المجيب أو المخاطب ، وإنما يسأل للتقرير والتعديد

--> ( 1 ) أي قاصرا نظره على بعض الموضوعات دون البعض الآخر . ( 2 ) أي في الأحوال الغريبة . ( 3 ) يشير صدر العبارة إلى أن مسائل الجدل تشمل الأعراض الذاتية للموضوع المبحوث فيه والأعراض الغريبة على حد سواء ، ولكن المؤلف عندما مثل لما يقول رفض اشتغال الجدل بالأعراض الذاتية وقصره على النظر في الأعراض الغريبة . ( 4 ) غير منقوطة في س وب ومنقوطة في م يبصر ، وقد رجحت قراءتها تنصر من النصر أي تنتصر للرأيين المتعارضين . ( 5 ) فقياسه . ( 6 ) س يبينه وينصره . ( 7 ) س تسلم . ( 8 ) أي القول الواحد الذي هو أحد المتقابلين .